معنى «مستحقات»: حقوقٌ في كلّ اتجاه
لكلّ دفتر حسابٍ عمودان: عمودٌ عنوانه «ما لي»، وعمودٌ عنوانه «ما عليّ». وأكثرنا يحرس العمود الأول بعين ساهرة، ويترك الثاني يبهت على مهل. وكلمة «مستحقات» تأبى أن يبقى أحد العمودين فارغاً.
الجواب المختصر: «مستحقات» جمعُ «مُستحَقّ»، وهو ما وجب لصاحبه فصار له. وأصلها الجذر «ح ق ق»، ومنه «الحقّ» بمعنيَيه: الصدق الثابت، والنصيب الواجب. وهي في عقد العمل حقوقك عند انتهائه، وفي الحياة كلّها حقوقٌ تجري في كلّ اتجاه: لله، وللمجتمع، وللعامل، ولصاحب العمل، وللأهل، وللنفس.
اخترنا هذا الاسم لموقعٍ من الحاسبات المجانية، وأسبابُ الاختيار، مع شواهد المعاجم، في صفحة لماذا «مستحقات»؟ أمّا هذا المقال فيسير في الاتجاه الآخر: من الكلمة إلى العام الذي تعيشه.
جملةٌ تحمل الفكرة كلّها
في صحيح البخاري (1968) أنّ سلمان الفارسي زار أخاه في الله أبا الدرداء، فوجده يصوم النهار ويقوم الليل، وقد انصرف عن أهله، فقال له: «إنّ لربّك عليك حقّاً، ولنفسك عليك حقّاً، ولأهلك عليك حقّاً، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه». فلمّا ذُكر ذلك للنبي ﷺ قال: «صدق سلمان».
تأمّل شكل هذه الجملة: الحقوق ليست طريقاً واحداً من الضعيف إلى القوي، ولا من القوي إلى الضعيف. إنها شبكة، وكلّ واحدٍ منّا يقف عند عقدةٍ فيها: له حقّ، وعليه حقّ، في اللحظة نفسها.
1. حقّ الله في المال
وصف القرآن المؤمنين بأنهم الذين «في أموالهم حقٌّ معلوم للسائل والمحروم» (المعارج: 24-25). وقد حمل كثير من المفسّرين «الحقّ المعلوم» على الزكاة المفروضة (قتادة وابن سيرين)، وحمله آخرون على حقٍّ سوى الزكاة (مجاهد والشعبي). وعلى القولين: العطاء حقٌّ في المال، لا منّة.
ولهذا تُحسب الزكاة ولا تُخمَّن. وقد قال النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن إنها «تؤخذ من أغنيائهم فتُردّ على فقرائهم» (صحيح البخاري 1395، وصحيح مسلم 19).
ابدأ بهذا العمود. يشرح مقال كيف أحسب زكاة مالي؟ الحساب خطوةً خطوة، وتؤدّيه حاسبة الزكاة المجانية بأيّ عملة، مع رأيَي النصاب جنباً إلى جنب، دون أن يخرج شيءٌ من جهازك.
2. حقّ المجتمع، وحقّ كلّ جار
لم يحبس القرآن البرّ في المحراب. ففي آية البرّ (البقرة: 177) جعل إلى جانب الإيمان والصلاة إيتاءَ المال «على حبّه» ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، ثم ذكر الزكاة مستقلّةً في الآية نفسها؛ وفي ذلك، كما نبّه القرطبي، أنّ في المال حقوقاً سوى الزكاة.
وقال النبي ﷺ: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضواً تداعى له سائر جسده بالسهر والحمّى» (صحيح البخاري 6011).
وهنا تتّسع الدائرة للناس جميعاً. فالمسلم يُخرج الزكاة ويتصدّق، وكلّ إنسانٍ من أيّ دينٍ يستطيع أن يتصدّق: عطاءً تطوّعياً من قلبٍ مفتوح. فإذا أعطى غيرُ المسلم الفقراءَ بالروح نفسها سمّينا عطاءه صدقةً، لا زكاةً، وأكرمناه. والعطاء جسرٌ بين الثقافات: كلُّ تقليدٍ يأتي بأحسن ما عنده، فتلتقي الأيدي على بابٍ واحد. ويحكي مقال الصدقة من غير المسلمين هذه القصة، ويرسم مقال الفرق بين الزكاة والصدقة الحدّ بينهما.
3. حقّ العامل
في الحديث القدسي: «قال الله: ثلاثةٌ أنا خصمهم يوم القيامة»، وذكر منهم: «رجلٌ استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يُعطِ أجره» (صحيح البخاري 2227).
والأجر اليوم أوسع من الراتب الشهري. ففي قانون العمل الإماراتي تحمل المادة 53 عنوان «سداد مستحقات العامل حين انتهاء العقد»: مكافأة نهاية الخدمة، وبدل الإجازة غير المستعملة، وبدل الإنذار، وأجر الأيام التي لم تُدفع، في خلال 14 يوماً. ولهذا العمود وُجدت حاسبة مكافأة نهاية الخدمة في الإمارات وحاسبة التسوية النهائية وحاسبة نهاية الخدمة في السعودية، وبجانب كلّ سطرٍ فيها مادّته من القانون.
4. حقّ صاحب العمل
الحقوق متبادلة. ففي قصة موسى قالت إحدى الفتاتين لأبيها: «إنّ خير من استأجرت القويّ الأمين» (القصص: 26): قوّةٌ في العمل، وأمانةٌ فيه. وافتتح القرآن سورة المائدة بقوله: «يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود» (المائدة: 1). فلصاحب العمل حقٌّ في ساعاتٍ صادقة، وفي حفظ ما اؤتمن عليه العامل، وفي فترة الإنذار التي كتبها العقد والقانون.
وفي الحديث: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (صحيح البخاري 33)، وكلّ واحدةٍ منها، في جملة ما هي، تقصيرٌ في العمل. ولهذا تعرض حاسباتنا ما على العامل أيضاً، كالخصم المشروع وبدل الإنذار، لا ما له فقط.
5. حقّ الأهل
ذكر النبي ﷺ أربعة دنانير تُنفق في وجوه الخير، ثم قال: «أعظمُها أجراً الذي أنفقته على أهلك» (صحيح مسلم 995). فالنفقة على من تعول ليست فضلةً بعد الصدقة، بل هي حقٌّ قائمٌ بذاته، ومن أثقل الحقوق. والمكافأة التي تحسبها إلى آخر فلس هي إيجار بيت، وقسط مدرسة، وتذكرة عودة.
6. حقّ النفس
وتنتهي قائمة سلمان حيث ينسى كثيرٌ منّا أن يبدأ: «ولنفسك عليك حقّاً». الراحة حقّ، والمعرفة حقّ، ومن حقّك أن تفهم ورقة الأرقام قبل أن توقّعها، وأن تسأل بلا خوف. والمطمئنّ العارف يؤدّي سائر الحقوق أتمّ أداء.
وقفةُ حسابٍ سنوية: ستّة أسئلة
- لله: هل أعرف يوم زكاتي، وهل أحصيت مالي فيه بأمانة؟
- للمجتمع: وراء الزكاة، أين ذهبت صدقتي هذا العام، وإلى من يمكن أن تذهب في العام القادم؟
- للعامل: إن كان يعمل عندي أحد، في البيت أو في عمل، فهل يُؤدّى إليه كلّ أجرٍ وكلّ مستحقٍّ في وقته كاملاً؟
- لصاحب العمل: هل أدّيت عملاً صادقاً، ووفّيت بعقدي، والتزمت بالإنذار؟
- للأهل: هل من أعولهم مكفيّون، دون أن يُضطرّوا إلى السؤال؟
- للنفس: هل أفهم حقوقي، وهل كتبت ما لي وما عليّ؟
فإذا امتلأ عمودا الدفتر، ووصل كلّ سطرٍ إلى صاحبه، فقد أدّت الكلمة عملها. وهذا كلّ ما تطلبه «مستحقات»: أن يصل الحقّ إلى حيث ينتمي.
اقرأ أيضاً
احسبها
ابدأ بالعمود الذي يسهل إهماله: افتح حاسبة الزكاة، أو راجع مستحقات نهاية خدمتك في حاسبة مكافأة نهاية الخدمة في الإمارات. كلتاهما مجانية، وكلتاهما تعرض خطوات الحساب.
تنبيه
هذا المقال تأمّلٌ عامّ في الحقوق والمستحقات، وليس فتوى ولا استشارة قانونية. ولحالتك الخاصة اسأل عالِماً تثق به، أو جهة الزكاة الرسمية، أو وزارة العمل في بلدك. موقع مستحقات لا يجمع الزكاة ولا الصدقات ولا يوصلها.
جُمِع من المصادر المذكورة؛ اسأل عالِماً تثق به في حالتك. وليس هذا فتوى. كُتب بمساعدة الذكاء الاصطناعي ورُوجع على المصادر المذكورة. «سامي أدهم» اسمٌ مهني، وليس عالِماً ولا مفتياً.
الآيات المذكورة
﴿وَٱلَّذِينَ فِىٓ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ [70:24]﴿لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ﴾ [70:25]﴿۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ [2:177]﴿قَالَتْ إِحْدَىٰهُمَا يَـٰٓأَبَتِ ٱسْتَـْٔجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ﴾ [28:26]﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَـٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [5:1]المصادر
- سورة المعارج 24-25 على موقع quran.com (النص العربي والترجمات)
- سورة البقرة 177 على موقع quran.com (النص العربي والترجمات)
- سورة القصص 26 على موقع quran.com (النص العربي والترجمات)
- سورة المائدة 1 على موقع quran.com (النص العربي والترجمات)
- البوابة الرسمية لحكومة الإمارات u.ae: قوانين العمل في القطاع الخاص، ومنها المرسوم بقانون اتحادي رقم 33 لسنة 2021 (المادة 53: سداد المستحقات)، بالإنجليزية
- مشروع تنزيل: نص المصحف (الرسم العثماني) ورخصته
التصحيحات
- : نُشر المقال، واقتصرت أحاديثه على ما في صحيحَي البخاري ومسلم، وقراءات الآيات على مراجعة المصادر.